أبي منصور الماتريدي
422
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الوجه الذي ذكرنا ، ودلالة البعث وآياته أن خلق البشر ليس على العبث ، [ فهي تذكرة لمن يذكر بها ] « 1 » . أو جائز أن يكون منصرفا إلى الآيات التي قبل هذا في هذه السورة ، وهو أن فيما تقدم في هذه السورة من الآيات تثبيت رسالته بما تقدم ذكرنا له . وجائز أن يقال : إن هذه تذكرة ؛ أي : هذه المعاتبة تذكرة للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ولجميع المؤمنين ؛ ليعرفوا من يستوجب التعظيم والتبجيل ، ومن يستوجب إهانته والاستخفاف . وقوله - عزّ وجل - : فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ، جائز أن يكون معناه : من شاء الله أن يذكره ، أو ما شاء ذكره ؛ أي : قد مكن كل من التذكير ، وأنه ليس أحد بممنوع ولا مجبور على الفعل ، فمن ترك التذكر « 2 » ، فهو الذي ضيع ذلك ؛ حيث آثر واختار ضده ، واشتغل بغيره ، وأعرض عن ذكره . وجائز أن يكون على تحقيق الفعل ؛ أي : من تذكر به فهو ذكر له ؛ فكنى بالمشيئة عن الفعل ؛ لما ذكرنا أنها تقترن بالفعل ولا تزايله ؛ فيكون في ذكرها ذكر الفعل . أو يكون على إرادة الفعل قبل وجوده . وقوله - عزّ وجل - : فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ قيل : هي « 3 » الصحف المتقدمة ؛ كقوله : إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى . صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى [ الأعلى : 18 ، 19 ] . وقوله : فِي صُحُفٍ أي : في أيدي الملائكة . وقوله : مُكَرَّمَةٍ ، أي : مكرمة بما يكرمها أهل الكرامة ، وهم السفرة البررة . أو مكرمة على الله تعالى . وقوله - عزّ وجل - : مَرْفُوعَةٍ ، أي : مرفوعة القدر ، مطهرة من التناقض والاختلاف . أو مطهرة من أن ينالها أيدي العصاة . أو مطهرة من الأقذار والأدناس . وقوله - عزّ وجل - : بِأَيْدِي سَفَرَةٍ السفرة : الكتبة . وقوله - عزّ وجل - : كِرامٍ بَرَرَةٍ أي : كرام على الله تعالى ، بررة في أعمالهم ؛ كما وصفهم الله - تعالى - بقوله : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] .
--> ( 1 ) في ب : فهي تذكر فيها . ( 2 ) في ب : التذكير . ( 3 ) في أ : هو .